محمد جمال الدين القاسمي
177
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
ومعادكم ، وهو مناط سعاداتكم الأبدية ، وسبب قربكم من ربكم هُزُواً أي : شيئا مستخفا وَلَعِباً أي : سخرية وضحكا ، مبالغة في الاستخفاف به حتى لعبوا بعقول أهله . ثم بين المستهزئين وفصّلهم بقوله تعالى : مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ قرئ بالنصب والجرّ ، يعني المشركين كما في قراءة ابن مسعود ( ومن الذين أشركوا ) أَوْلِياءَ في العون والنصرة . وإنما رتب النهي على وصف اتخاذهم الدين هزوا ولعبا . تنبيها على العلة ، وإيذانا بأن من هذا شأنه ، جدير بالبغضاء والشنآن والمنابذة . فكيف بالموالاة ؟ وَاتَّقُوا اللَّهَ أي : في ذلك ، بترك موالاتهم ، أو بترك المناهي على الإطلاق . فيدخل فيه ترك موالاتهم دخولا أوليّا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أي : حقا ، فإن قضية الإيمان توجب الاتقاء لا محالة . ثم بيّن استهزاءهم بحكم خاص من أحكام الدين ، بعد استهزائهم بالدين على الإطلاق ، إظهارا لكمال شقاوتهم ، بقوله سبحانه : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 58 ] وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُواً وَلَعِباً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ ( 58 ) وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ أي : دعوتم إليها بالأذان اتَّخَذُوها أي : الصلاة أو المناداة هُزُواً وَلَعِباً بأن يستهزءوا بها ويتضاحكوا ذلِكَ أي الاتخاذ بِأَنَّهُمْ أي بسبب أنهم قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ أي : معاني عبادة اللّه ، فإن السفه يؤدي إلى الجهل بمحاسن الحق والهزء به ، ولو كان لهم عقل في الجملة لما اجترءوا على تلك العظيمة . فإن الصلاة أكمل القربات ، وفي النداء معان شريفة من تعظيم اللّه باعتبار ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله . ومن ذكر توحيده باعتبار ذاته ، وباعتبار عدم مغايرة أسمائه وصفاته ، ومن تعظيم رسوله باعتبار قيامه بمصالح المعاش والمعاد ، ومن الصلاة من حيث هي وصلة ما بين العبد وبين اللّه ، ومن حيث إفادتها معالي الدرجات ، ومن تعظيم مقصده وهو الفلاح في الظاهر والباطن ، وما هو غاية مقصده من القرب من اللّه باعتبار عظمة ظاهره وباطنه ، ومن الوصول إلى توحيده الحقيقيّ . أفاده المهايميّ . تنبيهات : الأول : في آثار رويت في هذه الآية : روى أبو الشيخ ابن حبان عن ابن عباس قال : كان رفاعة بن زيد بن التابوت ، وسويد بن الحارث ، قد أظهرا الإسلام ونافقا ، وكان رجل من المسلمين يوادّهما .